رغم المحاصيل المسمومة، والأراضي والمياه الملوثة، والسكان المختنقين تاريخيا، فإن الإبادة البيئية ليست جريمة معترف بها دوليا، ولكن يبدو أن السياق الجيوسياسي يدعو إليها.
قبل ستين عاماً، قامت الولايات المتحدة بوضع علامة على براميل سعة 200 لتر بشرائط برتقالية حيث قامت بتخزين مبيدين للأعشاب، أحدهما مخلوط بمادة TCDD، وهي مادة ديوكسين شديدة السمية تصنفها الآن وكالة حماية البيئة الأميركية على أنها مادة مسرطنة للإنسان. كان ذلك أثناء حرب فيتنام، وقام الجيش الأمريكي برش هذا المركب فيما أصبح يعرف باسم العامل البرتقالي على مساحة آلاف الكيلومترات المربعة لإزالة النباتات التي يختبئ خلفها العدو. وكهدية، تسببت في أضرار جسيمة للغابات، وتسمم الأراضي الزراعية، وتشوهات خطيرة، وأمراض مزمنة، وسرطانات، ومشاكل صحية أخرى لكل من الفيتناميين والمحاربين القدامى الأمريكيين.
وكانت هذه هي المرة الأولى التي يُسمع فيها مصطلح “الإبادة البيئية”. ومن المفارقات أن هذا المصطلح صاغه في عام 1970 عالم الأحياء الأمريكي الذي أجرى أبحاثه على هذا الديوكسين، آرثر جالستون، الذي شعر بالفزع من استخدامه، لوصف الأضرار الهائلة والدمار الذي يلحق بالنظم البيئية. لقد هطلت أمطار غزيرة منذ ذلك الحين، وتحديداً المطر الأسود على إيران. ولهذا السبب فإن صور هذه الأيام في الشرق الأوسط تجلب للخبراء ذكريات فيتنام، وقد تردد صدى كلمة ecocidio مرة أخرى بين الأصوات الأكاديمية والسياسية.
وصف كل من نائبة الرئيس الإيراني ورئيسة إدارة البيئة، شينا أنصاري، ووزير الخارجية عباس عراقجي، العواقب البيئية للهجمات الإسرائيلية على رواسب النفط في طهران التي احترقت لعدة أيام بأنها “إبادة بيئية”، مشيرين إلى التهديد الذي تشكله على صحة الإيرانيين. إضافة إلى أنه قد تم سحق الشعب بالفعل لسنوات مع صعوبة الحصول على المياه والهواء النظيف وغيرها من المذابح التي ارتكبتها الجمهورية الإسلامية نفسها، كما تذكر منظمة العفو الدولية.
ويستخدم المصطلح بشكل متزايد في المحادثات العامة، ويظهر بشكل خجول من وقت لآخر في العناوين الرئيسية للصحف ووسائل التواصل الاجتماعي، وخاصة تلك المرتبطة بالأحداث الجيوسياسية مثل الصراعات في أوكرانيا وفلسطين، والكوارث البيئية مثل البحر الصغير في مدينة مورثيا “مار مينور”. ولا يستخدمه الآن الناشطون والمحامون البيئيون فحسب، بل يقود هؤلاء المحامون حملة للمطالبة بالاعتراف به كجريمة ضد الإنسانية. ويشكل الضجيج ضغطاً تشريعياً، ولكن ما هو مكتوب على الورق في الوقت الراهن يحتمل الكثير من التفسيرات.
استنشق الدخان بينما يدمرون أرضك “عن علم”
وتعني الإبادة البيئية “أي عمل غير قانوني أو تعسفي يرتكب عن علم بأن هناك احتمالا كبيرا بأن يسبب أضرارا جسيمة أو واسعة النطاق أو دائمة للبيئة”. وقد وضع هذا التعريف في عام 2021 لجنة دولية من الخبراء المستقلين بتنسيق من مؤسسة “أوقفوا الإبادة البيئية” Stop Ecocide. ومن بين الموقعين على المنشور قانونيون سابقون في الأمم المتحدة، وباحثون في جامعة كلية لندن أو كلية الحقوق بجامعة هارفارد، وخبراء دوليون معروفون في إسبانيا، مثل رودريجو ليدو، المدير السابق لمؤسسة بالتاسار جارثون الدولية.
وفي تعليق لصحيفة الكونفيدينثيال، وتؤكد “مايتي مومبوو” مديرة مؤسسة أوقفوا الإبادة البيئية Stop Ecocidio Internacional الناطقة بالإسبانية أن “هناك عدة نقاط رئيسية في التعريف: يجب أن يكون الضرر خطيرًا وممتدًا إقليميًا أو دائمًا بمرور الوقت، ويتم تنفيذ الإجراء عن علم بأنه من المحتمل جدًا أن يحدث هذا الضرر”، وتشدد على أن لفظ “عن علم” هو المفتاح ولكن من الصعب إثباته.
هل يمكننا أن نسمي ما تقوم به إسرائيل في إيران إبادة بيئية، كما ادعى قادتها السياسيون؟ “نعم، أعتقد ذلك. “من حيث التأثير البيئي، فإن القصف الأخير للبنية التحتية النفطية في طهران يمثل تمامًا مدى الضرر الشامل والشديد للبيئة الطبيعية”، كما يقول فيروز خان، الباحث الحاصل على درجة الدكتوراه في معهد العلوم والتكنولوجيا البيئية في الجامعة المستقلة في برشلونة (ICTA-UAB)، والمتخصص في الكوارث والأزمات الإنسانية والعدالة البيئية. ويوضح الباحث لهذه الصحيفة أن إطلاق كميات هائلة من الهيدروكربونات والمركبات العطرية ومركبات الكبريت والمعادن الثقيلة والديوكسينات في الغلاف الجوي (وبالتالي “أيضًا إلى المناطق المجاورة والنظم البيئية البحرية والأراضي الزراعية ورئتي سكان طهران”) يسبب “أضرارًا طويلة المدى موثقة جيدًا للناس والنظم البيئية”. حيث تعيد الأراضي الزراعية غير الصالحة للاستخدام، والمياه والمحاصيل الملوثة، ووفيات الأجنة، وعيوب النمو لدى الأطفال، والسرطانات… مرة أخرى، ذكريات فيتنام.
وقد أشارت العديد من الأصوات الدولية إلى أن الأضرار التي تلحق بالمنشآت النفطية تلوث الغذاء والماء والهواء، مثل مدير منظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس، أو مدير معهد المياه والبيئة والصحة في جامعة الأمم المتحدة والحائز على “جائزة نوبل في المياه”، كافيه مدني. وتقوم منظمات مثل مرصد الصراع والبيئة (CEOBS) بتوثيق الحوادث وتأثيرها الهائل. وقد نبهت الشبكة العالمية للمجتمع المدني من أجل المناخ (CAN) على وجه التحديد في بيان لها أن الأضرار الناجمة عن الهجمات “تفي بمعايير الإبادة البيئية”. بالنسبة لخان، كان المخططون العسكريون الإسرائيليون يعرفون ما سيحدث إذا تم قصف حقول النفط، لأن هذه ليست المرة الأولى التي يحدث فيها ذلك (ولا المرة الأولى التي يفعلون فيها ذلك). وحدثت ظاهرة المطر الأسود في الكويت خلال حرب صدام حسين عام 1990 ووصل تأثيرها إلى تركيا، “رغم عدم وقوع هجمات آنذاك على مناطق مدنية مكتظة بالسكان”، كما هو الحال الآن، كما أوضح الباحث. نعود إلى لفظ “عن علم” الذي يتضمنه تعريف الإبادة البيئية. ويخلص خان إلى أنه ليس لديه أدنى شك في أن قرار إسرائيل بقصف منشآت الطاقة المدنية في طهران (مدينة يبلغ عدد سكانها 9 ملايين نسمة، أي أكثر من سكان مدريد وبرشلونة وفالنسيا مجتمعة) يشكل محاولة متعمدة لارتكاب إبادة بيئية. وعندما يحين الوقت المناسب، سيتعين على القاضي أن يقيم هذا الأمر، ولكن هل سيكون لذلك أي فائدة؟
جريمة بحجم الإبادة الجماعية؟
يحدد نظام روما الأساسي أخطر أربع جرائم دولية تحاكمها المحكمة الجنائية الدولية (ICC)، وهي معروفة جيداً: الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب، وجريمة العدوان. الإبادة البيئية ليست من بينها. نعم، يظهر في قسم جرائم الحرب، من بين الانتهاكات الأخرى في النزاعات المسلحة الدولية، ذكر البيئة: “شن هجوم عمداً، مع العلم أنه سوف (…) يسبب أضراراً واسعة النطاق وطويلة الأمد وشديدة للبيئة الطبيعية، وهو ما سيكون مفرطاً بشكل واضح مقارنة بالميزة العسكرية الإجمالية الملموسة والمباشرة المتوقعة”. وبموجب القانون الإنساني الدولي (IHL)، “يُحظر على المتحاربين مهاجمة البيئة الطبيعية بشكل مباشر لأنها ليست في حد ذاتها هدفًا عسكريًا”. وهذا يعني أن تدمير البيئة الطبيعية لا ينبغي أن يستخدم كسلاح حرب، كما يوضح لصحيفة “إلكونفيدنثيال” فيتو توديشيني، المستشار القانوني لمنظمة العفو الدولية. ووفقاً للخبير، يطالب القانون الدولي الإنساني بتعليق الهجوم أو إلغاؤه إذغ ما تسبب في أضراراً بيئية غير متناسبة، خاصة إذا كان يؤثر على السكان المدنيين. لكن إسرائيل تتجاهل ذلك. ويوضح توديشيني: “إن التدمير أو الإضرار غير القانوني بالبيئة الطبيعية قد يشكل جريمة حرب إذا تم تنفيذه عن قصد أو بتهور”.
ومع ذلك، فهي صياغة تخضع لتفسيرات غامضة، وفقاً لتحالفات وخبراء يطالبون بالمزيد، مثل منظمة أوقفوا الإبادة البيئية الدولية. حيث تقول مومبوو: “لقد تمت صياغة القاعدة بطريقة تجعل من الصعب تطبيقها عمليا. ونريد أن تكون الإبادة البيئية جريمة مستقلة في نظام روما الأساسي، وأن تنطبق على جميع الحالات، سواء في أوقات الصراع أو السلام”. كما أنها ليست راسخة أو محددة بشكل جيد بالنسبة لفيروز خان، الذي يؤكد أنه لم يتم توجيه اتهام رسمي لأحد حتى الآن.
وفي أوروبا، تدرج بلجيكا جريمة الإبادة البيئية في قوانينها، وعلى الرغم من أن اللائحة الصادرة عام 2024 شددت قائمة الجرائم البيئية في الاتحاد الأوروبي، إلا أنها لم تدرج مصطلح الإبادة البيئية، كما طلب البرلمان الأوروبي. وعلى المستوى الدولي، أعلنت جمهورية الكونغو الديمقراطية في مؤتمر الأطراف السادس عشر في عام 2024 دعمها لتجريم الإبادة البيئية باعتبارها جريمة دولية؛ كما ان ثلاث دول في المحيط الهادئ: تشيلي والمكسيك وكولومبيا تفكر في هذا الأمر. وفي أكتوبر 2025، قام الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة (IUCN)، وهو مؤتمر الحفاظ على البيئة الرائد في العالم، بإصدار إعلان يعترف بالإبادة البيئية كجريمة. مزيج من المقترحات التي تبدأ في إحداث الضجيج والضغط. وتوضح مومبوو: ” حاليًا، هذا الاقتراح قيد المناقشة في مجموعة التعديل التابعة للمحكمة الجنائية الدولية، كما أصدر مكتب المدعي العام لهذه المحكمة في ديسمبر الماضي وثيقة سياسته الجديدة التي تربط الأضرار البيئية بالجرائم الدولية الأخرى الخاضعة لولايتها القضائية”.
وحيث أن الأمر لا يقتصر على إيران وحدها، وأن المناخ الحربي في السنوات الأخيرة يستدعي استخدام هذا المصطلح. وتضيف مومبوو إن “تدمير سد كاجوفكا في أوكرانيا في عام 2023، والذي تسبب في أضرار مدمرة، تم تصنيفه كمثال واضح على الإبادة البيئية. وتقوم منظمات مثل معهد تقارير الحرب والسلام بمتابعة التحقيقات في الأضرار البيئية الناجمة عن الغزو الروسي بهذه الشروط. وتقول مومبوو إن تدمير كل أراضي قطاع غزة تقريبا والآثار المتتالية على السكان المدنيين والنظم البيئية والصحة البيئية قد دفع السلطات الفلسطينية (البعثة الدائمة لدولة فلسطين في هولندا) ووسائل الإعلام والدراسات العلمية والمنظمات الدولية إلى تحليل الأمر على هذا النحو”.
والحقيقة هي أن استخدام مصطلح الإبادة البيئية اليوم، لأغراض رسمية، ليس له أي أثر قانوني دولي. وبموجب التفسير الحر للسوابق القضائية الحالية، تاريخياً، تم تبرير الأضرار البيئية في أوقات الحرب من قبل المهاجمين كنتيجة، وليس كعمل متعمد. ولكن، هل سيقاضي أحد نتنياهو أمام المحكمة الجنائية الدولية بتهمة الإبادة البيئية؟ في الوقت الحالي، هذا غير ممكن، ولكنهم في منظمة أوقفوا الإبادة البيئية يعتقدون أن تسمية الأشياء بأسمائها تحمل تهمة أخلاقية يمكن أن تساعد في “جعل التسبب في هذا الدمار البيئي أمراً غير مقبول أخلاقياً”. ما لا يتم تسميته فلا وجود له، والمطر الأسود على إيران حقيقة دامغة.