مارك إسبانيول، القاهرة، 27 ديسمبر 2025م.
يحاول من يهبطون على مصر راغبين في التوغل في أعماق عالم الفراعنة، أن يمروا دون أن ينتبه إليهم أحد. لكنهم لم يستطيعوا مقاومة سحر الشواطئ البكر ذات الرمال البيضاء التي تغمرها المياه الفيروزية الصافية التي تمتد على طول ساحل البحر الأبيض المتوسط الشاسع، وهي أرض لها تاريخ عريق ذات أشجار تين وزيتون، في جنة لم يمسسها أحد.
ومن الصعب تخمين المدة التي سيبقون فيها.
تاريخياً، اجتذب الساحل الكبير لمصر على البحر الأحمر عددا أكبر من السياح، معظمهم من أوروبا وروسيا. أما في الجهة الأخرى، كان ساحل البحر الأبيض المتوسط مخصصا للمصريين الأثرياء، أغلبهم من القاهرة والإسكندرية، الذين حصلوا منذ ثمانينيات القرن العشرين على منزل صيفي في تجمعات سكنية بنيت على شواطئه.
وقد اكتشفت الحكومة المصرية فيها منذ العام الماضي كنزاً يمكن أن ينقذها من أسوأ غرق اقتصادي في تاريخها الحديث ويساعدها على تنويع مصادر دخلها. وبدأت في عقد صفقات بمليارات الدولارات مع دول الخليج لبيعها حقوق تطوير المشاريع الحضرية العملاقة. وتم إبرام الاتفاقية التي أطلقت القاهرة بموجبها هذه الإستراتيجية في عام 2024 مع صندوق الثروة السيادية الإماراتي الذي وافق على استثمار ما يعادل حوالي32.4 مليار يور لتطوير مدينة جديدة بالقرب من الحدود مع ليبيا، رأس الحكمة. بمساحة 160 كيلومترًا مربعًا، كانت أكبر عملية بيع للأراضي في تاريخ البلاد.
وبعد أقل من عامين، في أوائل نوفمبر من هذا العام، وقعت الحكومة اتفاقية أخرى مع قسم الأراضي في صندوق الثروة السيادية القطري لبناء مدينة ساحلية جديدة أخرى في شمال غرب مصر، علم الروم. وأكدت الدوحة أنها ستستثمر ما يعادل حوالي 25.6 مليار يورو في هذا المشروع. وبين هاتين المدينتين تقف مدينة ثالثة سيتعين عليهما التنافس معها في المستقبل: العلمين الجديدة. تم افتتاح هذه المدينة النخبوية في عام 2018 وما زالت تتوسع، كما تم الترويج لها كوجهة فاخرة وتم دمجها في مدينة العلمين التاريخية، حيث دارت واحدة من أهم المعارك في الحرب العالمية الثانية بأكملها.
ولم تقفز المملكة العربية السعودية بعد إلى هذا المسبح، بل لا تزال تدرسه. وكانت شركة عجلان وإخوانه، إحدى كبريات الشركات القابضة العائلية في البلاد، هي من أخذت زمام المبادرة حتى الآن، واهتمت بشرم رأس جميلة في سيناء، وهي منطقة غوص شهيرة بالقرب من مدينة شرم الشيخ الساحلية. وعلى عكس الأماكن السابقة، تشرف هذه المدينة على البحر الأحمر، وتواجه جزيرتين نقلتهما مصر إلى الرياض في عام 2022.
عمليات إنقاذ مقنعة.
ورغم أن هذه المشاريع الكبرى يتم الإعلان عنها باعتبارها استثمارات أجنبية، فإن مصدر الأموال، في الممالك الخليجية المتحالفة مع الحكومة، وسياق الإعلانات، في الوقت الذي تمر فيه القاهرة بأزمة مالية حادة، جعلها تُفسر على أنها عمليات إنقاذ سرية. وفي الواقع، خصصت مصر معظم إيراداتها لتخفيف ديونها الخارجية، التي ارتفعت بشكل كبير خلال العقد الماضي من حوالي 40 مليار يورو إلى حوالي 138 مليار. وهناك طريقة بارعة أخرى تستخدمها الحكومة المصرية لاستغلال شواطئها الجذابة، وهي البيع المباشر للديون. ففي نوفمبر الماضي، أصدرت القاهرة أيضًا سندات سيادية حلال، تسمى الصكوك، تبلغ قيمتها حوالي 50 مليون يورو وكأصل لدعمها (جزء من الهندسة المالية للتحايل على تحريم الفوائد بموجب الشريعة الإسلامية) استخدمت قطعة أرض مربحة في منطقة رأس شقير، على البحر الأحمر.
وعلى الوجه الآخر للعملة، نجد أن هذه الاتفاقيات قد أثارت قلق من يخشون أن تبيع الحكومة الأراضي المميزة لمن يدفع أعلى سعر فقط لتسوية ديونهم. وبالإضافة إلى ذلك، لم يكن لسكان المناطق التنموية المحددة من رأس الحكمة إلى علم الروم أي رأي. وليس أمام الكثيرين خيار سوى الانتقال إلى أجزاء أخرى من البلاد حتى يتمكن الآخرون من التمتع بأراضيهم المميزة.
المصدر: El País