منذ عام 2014م، تضاعفت التزامات البلاد تجاه الدائنين مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومؤخراً الصين؛بينما يدفع المواطن الثمن على مستوى الصحة والتعليم.
في صباح أحد الأيام الأول من شهر يونيو، وفي ظلال سقف معدني ضخم يحمي من أشعة الشمس التي بدأت تحرق القاهرة، يعبر طوابير المشاة الجزء المركزي من محطة عدلي منصور الواقعة على مشارف العاصمة الجديدة. فهنا، وعلى مسافة قريبة من المطار، تتلاقى في تناغم محطات النقل المختلفة. حيث تقع أكبر محطة تبادل في الشرق الأوسط: من قطار خفيف تم إطلاقه حديثاً وخط جديد للمترو، مروراً بمحطة للسكك الحديدية إلى العديد من محطات النقل البري والحافلات.
ولا تزال اللافتات العملاقة التي تحمل صورة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون تتصدر نقاط مختلفة من المحطة بعد شهرين من زيارة الزعيم الأوروبي لمصر، في إبريل، والتي شملت هذه المحطة والخط الثالث للمترو، الذي يموله الاتحاد الأوروبي معظمه وتنفذ أعماله شركة مترو العاصمةالفرنسية، باريس.
وقد تم افتتاح محطة عدلي منصور في الثالث من يوليو 2022م، بالتوافق مع الذكرى التاسعة للإطاحة بالرئيس المنتخب ديموقراطياً، محمد مرسي، من السلطة، وهو ما دفع وزير النقل كامل الوزير لربطها بمصر “الجديدة”.
وتشمل تلك “الجمهورية الجديدة” قيد الإنشاء، كما تسميها حكومة السيسي، العاصمة الجديدة التي بدأت مصر في إنشائها قبل عقد من الزمان في وسط الصحراء. حيث أصبحت المشروع الرئيس للسلطة الحاكمة. ويربط القطار الخفيف بين القاهرة والعاصمة الجديد وتفصلهما مسافة تقارب ال45 كيلومتراً. وتشكل محطة عدلي منصور نوعاً من البوابة بين هذين العالمين.
وتسير الأعمال في العاصمة الجديدة، التي بنيت من العدم، باقصي سرعة؛ محطمة الأرقام القياسية: من أطول برج في إفريقيا، إلى أكبر درا أوبر في الشرق الأوسط واكبر كاتدرائية في المنطقة وثاني أكبر مسجد في العالم ومجمع عسكري يبلغ حجمة سبعة أضعاف البنتاجون الأمريكي. لكن الواقع يشير إلى أن المدينة لا يسكنها أحد تقريباً في الوقت الحالي.
وقد خرجت هذه “الجمهورية الجديدة” مصر، وفي العديد من المناطق الأخرى في البلاد، إلى الوجود جزئياً بفضل حيلة الديون. فقد وجدت حكومة السيسي، وعلى مدار العقد الماضي، فيها مصدراً سريعاً للمال، مما سمح لها بتعزيز سلطتها ومحاولة إعادة تشكيل مصر. لتقع في مشكلة أكبر حين أصبح سداد تلك الديون كابوساً متزايداً.

فقد ارتفع الدين الخارجي لمصر منذ عام 2014م، عندما تولى السيسيي الرئاسة رسمياً، من 46 مليار دولار إلى ما يقرب من 153 مليار في يونيو 2024. وقد تم التعاقد على ثلث هذا المبلغ مع مؤسسات متعددة الأطراف مثل صندوق النقد الدولي، ثم القروض الحكومية من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والصين بشكل متزايد.
ولم يتم تخصيص معظم هذا الدين للخدمات الاجتماعية، ولا للقطاعات الاقتصادية الإنتاجية، ولا لزيادة احتياطيات البنك المركزي، بل لتغطية العجز الضخم في الميزانية، وتمويل مشاريع البنية التحتية الضخمة، والحفاظ على قيمة العملة في مواجهة الدولار لسنوات، وشراء الأسلحة، وفي نهاية المطاف سداد الديون القديمة.
وبالإضافة إلى العاصمة الجديدة التي يتم انشائها في الصحراء، قامت مصر في عامي 2015 و2021 بتوسيع قناة السويس وحفر ممر موازٍ للقناة القديمة. وفي عام 2016، اتفقت البلاد مع روسيا على بناء أول محطة للطاقة النووية. وفي عام 2021، وقعت الحكومة عقدًا مع شركة سيمنز الألمانية لإنشاء شبكة واسعة من القطارات عالية السرعة.
وتقدر تكلفة كل هذه المشاريع الكبرى، بالإضافة إلى العديد من المشاريع الصغيرة، مثل عشرات المدن الجديدة وتوسيع شبكات النقل وإمدادات الطاقة الوطنية، بمليارات الدولارات، ويتم تمويلها في بعض الأحيان بطريقة غامضة؛ وجزئياً على الأقل من خلال الديون. وفي كثير من الحالات، يكون العائد الاقتصادي الذي يمكنهم تحقيقه أكثر من مشكوك فيه.
ويقول السياسي المصري والنائب السابق محمد أنور السادات، ابن شقيق الرئيس السابق السادات: “لقد كانت فكرة السيسي هي محاولة تنفيذ مشاريع ضخمة تسمح له بتعزيز الوحدة الوطنية من حوله”. ويضيف: “[لكننا] نعتقد جميعًا أنه تم إنفاق الكثير على هذه المشاريع، وأن بعضها لم تكن من الأولويات وكان من الممكن أن تنتظر قليلاً”.
وكان أحدث مثال على هذا النوع من الرهان التنموي قد أُعلن عنه في أوائل شهر يونيو، عندما كشفت الحكومة عن خطتها لبناء مدينة أخرى من الصفر غرب القاهرة. حيث أطلق عليها رئيس الوزراء مصطفى مدبولي اسم “جيريان”، ووصفها بأنها “ثورة حضرية وتنموية”. وأوضح أنها ستكون جزءًا من مشروع كلي يجري تنفيذه بالفعل لمحاولة توسيع دلتا النيل الخصبة إلى الصحراء. ولا يعرف أحد التكلفة الإجمالية لها.
ويعلق السادات: “أعتقد أن معظم الوزراء ليس لديهم الكثير ليقولوه. وقد تم إسناد معظم هذه المشاريع الضخمة إلى القوات المسلحة. كيف سنخرج من هذا؟ بصراحة، لا أحد يعرف”.
وتشير بيانات وسائل الاعلام المحلية إلى أن ديون مصر أصبحت عبئا ثقيلا على نحو متزايد. وأن الميزانية العامة الجديدة، التي تمت الموافقة عليها في يونيو ، تخصص ما يقرب من 65% من النفقات لخدمة الديون المحلية والأجنبية، وسيكون 53% من الإيرادات ديونًا جديدة. فقد ارتفعت معدلات سداد القروض ومدفوعات الفائدة بنسبة 300% تقريبًا منذ عام 2021/2022.
ومن ناحية أخرى، أبدى السادات قلقه من لجوء الحكومة إلى الخصخصة الجزئية للمؤسسات الحكومية الاستراتيجية ومنح مساحات كبيرة من الأراضي العامة في المناطق المتميزة مثل ساحل البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر، ولسداد دونها خاصة لدول الخليج العربي، لجذب المزيد من الاستثمارات.
البصمة الصينية
وفي وسط هذه المتاهة المالية، أصبحت مصر نهاية عام 2023 أول دولة في العالم توقع اتفاقية مبادلة الديون مع وكالة التعاون الدولي الصينية من أجل استبدال جزء من التزاماتها مع العملاق الآسيوي بمشاريع تنموية مستقبلية. وتكتسب الصين، المقرض الحكومي الرائد في العالم، نفوذاً أجنبياً من خلال استخدام الديون، ومن المثير للاهتمام أن مذكرة التفاهم بين البلدين تم توقيعها خلال منتدى حول طريق الحرير الجديد، وهو برنامج الاستثمار والبنية الأساسية الضخم الذي تسعى بكين من خلاله إلى توسيع نطاق وجودها العالمي.
ورغم أنه الاتفاقية لم يتم تفعيلها بعد، حيث يتفاوض البلدان على الصيغة المرضية لكلا منهما، إلا أنه في منتدى التعاون الصيني الأفريقي الأخير في سبتمبر، وعد الرئيس الصيني شي جين بينغ بما يعادل 45 مليار دولار لتطوير البنية التحتية للقارة على مدى السنوات الثلاث المقبلة. ولكن في لفتة أخرى من دبلوماسيتهم المتعلقة بالديون، فإن 60% من هذه الديون ستكون على شكل قروض.
وتحتل مصر موقعاً متميزاً في الخريطة العالمية الصينية: فهي دولة مستقرة نسبياً في منطقة غير مستقرة؛ وتقع حيث تلتقي آسيا وأفريقيا وأوروبا؛ وتسيطر على قناة السويس، أحد الشرايين الرئيسية للتجارة العالمية. ويقول عضو مجلس الشورى المصري، المصري محمد فريد: “وعلاوة على ذلك، ومع الحروب التجارية الحالية وتعديلات سوق العرض، تحاول الصين تأمين طرق ومواقع إنتاج بديلة لصالحها؛ وبمعنى ما، تستطيع مصر أن تقدم كل ذلك”.

كما استثمرت الشركات الصينية، إلى جانب حكومتها، في السنوات الأخيرة ملايين الدولارات في مصر، اجتذبتها بشكل رئيسي مشاريع البنية التحتية والمنطقة الاقتصادية المبنية حول قناة السويس. ويقول فريد: “إن مصر تحتاج إلى كل هذا الاستثمار والتمويل، والوظائف والتكنولوجيا التي يمكن نقلها”. ويضيف: “لكن يجب أن نبقي أعيننا الانتباه جيداً لتقييمها والتأكد من أنها تعود بالنفع على الشعب المصري”.
الثمن في الصحة والتعليم
ورغم أن للمواطنين لم يكن لهم أي رأي في سياسة الاستدانة الحكومية، إلا أنهم يتحملون الجزء الأكبر من ثقلها. فقد تبنت القاهرة، خلال السنوات الأخيرة، سياسات تقشفية صارمة وأصدرت تدابير مثل خفض قيمة العملة وخفض الدعم وزيادة الضرائب امتثالاً لمطالب منظمات مثل صندوق النقد الدولي.
ويقول مصطفى شحاتة، الباحث والصحفي المصري: “تستخدم الحكومة أموال دافعي الضرائب لتغطية فوائد الديون بدلاً من إنفاقها على الخدمات العامة”.
ويعد التعليم والصحة أكثر البنود تضرراً ، حيث سيتم استثمار 1.7% و1.16% من الناتج المحلي الإجمالي في السنة المالية المقبلة، وفقًا لمصادر محلية، على الرغم من أن الدستور يتطلب حدًا أدنى قدره 4% و3% على التوالي.
التأثيرات واضحة. وفي مصر، يلتحق حوالي 90 في المائة من طلاب ما قبل الجامعة بالمدارس العامة، لكن وزارة التربية والتعليم تقدر أنه ستكون هناك حاجة إلى 250 ألف فصل دراسي جديد ونحو 250 ألف معلم إضافي لاستيعابهم بشكل مناسب. وقد أصبحت الفصول الدراسية مزدحمة، ويتم حالياً العمل بنظام المناوبات، وتخصص الأسر المزيد والمزيد من الموارد للدروس الخصوصية.
ويقول حسن جبر، رئيس نقابة المعلمين المستقلين في مصر: “لقد أدى انخفاض المساعدات العامة إلى تسريع خصخصة التعليم”.
ولم تكن الصحة العامة أفضل حالاً. حيث تشير التقديرات إلى أن عدد المستشفيات انخفض بنسبة 1%، والأسرة العامة في البلاد بنسبة 10% بين عامي 2012 و2019، وفقاً لبيانات وكالة الإحصاء الحكومية. في الوقت نفسه، ارتفع عدد مستشفيات وأسرة القطاع الخاص بنسبة 20 في المائة ونحو 68 في المائة على التوالي.
ويوضح محمد عبد الحميد، وهو طبيب في أحد المستشفيات العامة بالقاهرة، من مكتبه المليء بملفات المرضى والناس المصطفين: “في السابق، كان كل شيء تقريبًا مجانيًا أو بسعر رمزي وكانت المستشفيات مجهزة بالكامل. لم يكن على المرضى شراء أي شيء من الخارج. وما يحدث الآن على النقيض تمام”. وأن “الحكومة تتخذ خطوة إلى الوراء في قطاع الصحة والمواطنون يدفعون ثمن الرعاية الصحية”.
وقال شحاتة إن “إجمالي الإنفاق العام على الدعم والحماية الاجتماعية انخفض من 29.4 مليار دولار في ميزانية 2013-2014 إلى 17 مليار دولار في 2023-2024”. حيث تساهم ظروف العمل غير المستقرة للأطباء أيضًا في أكبر عملية هجرة مهنية في العالم.
من ناحية أخرى، أدى الضغط المتزايد للديون والسياسة النقدية الخاطئة بين عامي 2016 و2021 إلى انخفاض متكرر ومفاجئ في قيمة العملة المحلية، التي فقدت 68% من قيمتها مقابل الدولار في السنوات الخمس الماضية.
يضاف إلى ذلك ارتفاع معدل التضخم بشكل كبير حيث وصل في السنوات الأخيرة إلى 38%. والنتيجة هي أن المصريين من الطبقة الدنيا والمتوسطة أصبحوا أكثر فقراً يوما بعد يوم.

وفي عام 2022، الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر (CAPMAS) إلى أنه منذ بداية الحرب في أوكرانيا، خفضت 74% من الأسر إنفاقها على الغذاء. وقدرت دراسة أجراها المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية (IFPRI) أن 25% و43% من الأسر قد خفضوا الإنفاق على التعليم والصحة، على التوالي.
ويختتم شحاتة حديثه متأسفاً: “بشكل عام، تواجه الطبقات الدنيا والمتوسطة في مصر ظروفًا اقتصادية صعبة للغاية. فهم الأكثر تضرراً من التقشف وإعطاء الأولوية لسداد الديون”.
مارك اسبانيول
حاصل مؤهل في الصحافة من جامعة بومبيو فابرا في برشلونة. يعمل في EL PAÍS منذ عام 2020. ويمارس عمله من القاهرة، يحيث ركز بشكل رئيسي على مصر والسودان، ويتابع عن كثب غزة وليبيا